المقاومة -مبادرة من الدولة المصرية تنم عن تحسّن العلاقات بين القاهرة وطهران

مبادرة من الدولة المصرية تنم عن تحسّن العلاقات بين القاهرة وطهران

للمرة الأولى منذ عدة سنوات، تقوم سفارة أو مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة بالاحتفال باليوم الوطني للجمهورية الإسلامية في الذكرى الأربعين للثورة يوم 11 شباط/ فبراير 2019، وهي مبادرة طيّبة من الدولة المصرية للسماح بالاحتفال، وربما تبدو مؤشّراً على تحسّن قريب في العلاقات المصرية الإيرانية، ومن الصدف الجيّدة أن يوم 11 شباط/ فبراير يوم مؤثّر في الدولتين، ففي ذلك اليوم من عام 1979 انتصرت الثورة في إيران، وفي نفس اليوم من عام 2011 تمكَّنت الثورة من إجبار الرئيس الأسبق “حسني مبارك” على التخلّي عن الحُكم.

 لقد مرّت العلاقات المصرية الإيرانية في العصر الحديث بمُنحنياتٍ تاريخيةٍ، تقاربت أحياناً وابتعدت أحياناً أخرى، شهدت مصر هجرة جالية إيرانية صغيرة لا تتعدَّى 1440 فرداً، وذلك قبل وبعد اغتيال الشاه “ناصر الدين القاجاري”عام 1896 وفي مطلع القرن العشرين، عاشت الجالية الإيرانية في مصر، واختلطت بالسكان، وصاروا نسيجاً واحداً، وأشهر أفراد تلك الجالية السيّدة “تحيّة كاظم” زوجة الزعيم الراحل “جمال عبد الناصر”، والتي يُحبِّها كل المصريين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.
لكن الأهمّ هو أن الدولتين شهدتا تقارُباً في العصر المَلَكي، شهدت إيران دستور 1906 بعد ثورة شعبية، وشهدت مصر دستور 1923 بعد ثورة شعبية، وتقاربت الأفكار، وتُوِّجَت العلاقات بزواج الشاه البهلوي “محمّد رضا” بالأميرة المصرية “فوزية فؤاد” شقيقة الملك “فاروق الأول”، ولكن ورغماً عن الملك فاروق الغاضِب جداً، استقبل رئيس وزراء مصر الزعيم “مصطفى النحاس” الدكتور “محمّد مصدق” عام 1951 في القاهرة، لأنها دعمته عندما أمَّم النفط الإيراني، وهو التأميم الذي شجَّع في ما بعد الرئيس “جمال عبد الناصر” في تأميم “قناة السويس”، عام 1956… ولكن بقاء الحال من المحال، فقد قامت ثورة تموز|يوليو 1952 بقيادة “عبد الناصر”، فأسقط المَلَكية وأعلن مُعاداته للاستعمار البريطاني والفرنسي والأميركي، وساعدت مصر الثورات في اليمن والجزائر وأفريقيا وآسيا، وهو الأمر الذي أزعج الدول المَلَكية في المنطقة، بما فيهم النظامان البهلوي والسعودي، أي أن مصر صارت ثوريّة وظلّت إيران رجعية، تتحالف مع المَلكيات الهاشمية والسعودية، ولكن الثورة الناصرية أسقطت “حلف بغداد” عملياً عام 1958، فاحتدمت الخصومة بين البلدين، وخلال تلك الفترة، لم يكن يتحدَّث أحدٌّ عن تشيُّع الشاه وتسنُّن الأميرة فوزية، فلم تكن الفتن المذهبية التي بدأتها ونشرتها الوهّابية ينتبه إليها أحد، كما حدث في ما بعد، هذا إلى جانب أن مصر ليس لها عداء تاريخي سياسي أو ديني مع إيران، ولكن العداء الحقيقي كان من جانب تركيا العثمانية والكمالية على حدٍّ سواء، تركيا السنّية احتلت العرب وأنهكت ثرواتهم ومزَّقت وحدتهم، والمصريون يعلمون جيّداً هذه الحقيقة وثاروا عليها.
على أية حال تحوَّلت مصر بعد انتصارها على العدو الصهيوني عام 1973 إلى المعسكر اليميني أو الرجعي عندما أعاد الرئيس “أنور السادات” العلاقات مع الدولة الأميركية، وساعد الشاه مصر بالنفط، رغم أنه كان يدعم أيضاً دولة إسرائيل، ولكن ومع التحوّل الكامل المصري لما يُسمَّى بالرجعية العربية، كانت بوادر الثورة تهلّ على إيران، وانتصرت الثورة بالفعل وتمّ إسقاط المَلَكية الإيرانية عام 1979، أي أن الدولتين تبادلتا الأدوار، فقطعت إيران العلاقات الدبلوماسية مع مصر عام 1980، وتحوَّلت طهران من حليفٍ للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، إلى أكثر دول المنطقة عداء للغرب، بينما كانت مصر بقيادة الرئيس الأسبق الراحل “محمّد أنور السادات” تتهيّأ لإبرام معاهدة السلام مع إسرائيل، فانحازت إيران إلى ما أسمته “خيار المقاومة” بعد سقوط نظام الشاه.
وكان أيضاً من أسباب قطع إيران للعلاقات مع مصر، استضافة مصر للشاه المخلوع، كما أطلقت إيران إسم “خالد الإسلامبولي” قاتِل الرئيس “السادات”، على أحد الشوارع في طهران، وردّت مصر بإطلاق إسم “رضا بهلوي” على شارع “مصدّق” في حيّ “الدقّي” الراقي في مدينة “الجيزة” في القاهرة، وهذا نوع من أنواع المُكايدة السياسية، ولكن لم تصل الخصومة بين مصر وإيران إلى حد العداء أو التجريح، رغم دعم مصر للعراق أثناء حرب صدَّام حسين” ضدّ الجمهورية الإسلامية ذات الثماني سنوات، وبالتالي عادت العلاقات الدبلوماسية، على مستوى القائم بالأعمال، في عهد الرئيس الأسبق “حسني مبارك”، حيث تتبادل مصر وإيران منذ ذلك الوقت فتح مكاتب رعاية المصالح، في أبريل من عام 1991.
وعندما وصل الإخوان المسلمون إلى الحُكم برئاسة الدكتور “محمّد مرسي”، بدأ التحسُّن يتطوَّر قليلاً في العلاقات، وزار الرئيس “أحمدي نجاد” القاهرة” في يوم 5 شباط|فبراير عام 2013 ، ولكن المؤتمر الذي عقده الرئيس الأسبق “محمّد مرسي” يوم 15 حزيران|يونيو 2013 ، تحت ما يُسمَّى “مؤتمر نُصرة سوريا”، أضاع التقارُب وأعاد العلاقات من جديد إلى نقطة الصفر، رغم أن وزير الدفاع الفريق وقتها “عبد الفتاح السيسي” رفض بشدَّة دخول الجيش المصري ضدّ الجيش السوري، ثم حدث سقوط الإخوان بعدها بقليل، ثم عادت العلاقات الإستراتيجية والمُخابراتية بين مصر وسوريا، وطلبت مصر من كافة الأطراف الداعِمة للإرهابيين في سوريا، الكفّ عن الدعم، وقد أدخلها هذا الطلب مع أسبابٍ أخرى إلى خلافاتٍ مُعلَنة لفترةٍ من الزمن مع الدولة السعودية، الداعِمة لبعض التنظيمات الإرهابية مثل “داعش”، ولكن الموقف المصري ظلّ مُنحازاً للفكرة القومية والرؤية الاستثنائية التاريخية للعلاقات بين الشام ومصر، ومن ثمّ تعدَّدت زيارات اللواء “علي مملوك” رئيس مكتب الأمن الوطني السوري إلى مصر، بما يُعطي الدليل على تحسُّن العلاقات مع الدولة السورية، وعلى وجود دعمٍ سياسي مُخابراتي للشرعية السورية، وهي ضد رغبات بعض دول العالم والمنطقة العربية، ولكنها تتقارب مع رؤية إيران السياسية، ولكنها تبتعد عن رؤية “تركيا رجب طيب أردوغان”، الذي درَّب وموَّل الإرهابيين وأدخلهم من الحدود التركية السورية واحتلّ بعض الأرض، فكان الدور التركي مع الدول الخليجية أكثر دموية، ربما أكثر من الدور الأميركي نفسه.
إن الموقف المصري من الأزمة السورية لم يتغيَّر، منذ سقوط الإخوان عام 2013، وهو مُعلَن ومعروف ورسمي، هو :- “الحفاظ على وحدة التراب السوري – الحفاظ على الجيش السوري لأنه عمود خيمة الدولة – عدم التفاوض مع أيّ فصيلٍ مُعارضٍ حَمَل السلاح في وجه الدولة السورية – الحل السياسي وبقاء النظام من عدمه هو شأن سوري، لا شأن لأحد به”، كما منعت مصر وجود المُعارضة كممثلٍ شعبي في الجامعة العربية، واستضافت مصر اللاجئين السوريين، من دون خيام أو ملاجئ للإيواء على الحدود كما فعلت “تركيا” وغيرها، فسوريا إذن الدولة الوحيدة القادرة، ليس على إعادة العلاقات بين مصر وإيران فقط، بل على الأقل استكمال البعثات الدبلوماسية، بحيث تستطيع مصر في ما بعد التهدئة بين إيران والدول الخليجية الأخرى، ويكون ذلك هزيمة لفكرة وزير خارجية أميركا “بومبيو” “ناتو عربي”، لا يستفيد منه إلا إسرائيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*